السيد محمد تقي المدرسي

143

من هدى القرآن

وهذه الفكرة التي نستوحيها من الآية تفيدنا كثيراً في حياتنا العملية ، إذ إن كثيراً من الشباب الذين تنفتح بصائرهم على الهداية والإيمان يريدون أن ينقلوا تلك الهداية إلى آبائهم أو أعمامهم أو إخوانهم الكبار ، ولكنهم غالباً ما يصطدمون بالحواجز التقليدية التي تحول دون تقبل هؤلاء ممن هم أصغر منهم سناً وتجربة ، فلا يكون أمام الشباب إلا أن يلجؤوا إلى الطرق غير المباشرة فيبحثون عن أصدقاء أو معارف لآبائهم يشترط فيهم كبر السن والوعي الرسالي ، ليقوموا بدور الوسيط في تبليغ الرسالة . سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً قال إبراهيم لأبيه سأطلب لك المغفرة من الله ، فهو يحبني ويبر إلي ، وكان إبراهيم في استغفاره يريد هداية أبيه ، كما جاء في آية أخرى ، فلما تبين له إن أباه لا يريد أن يهتدي وأنه مصر على الضلال تركه وشأنه . [ 48 ] وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً يقول إبراهيم لأبيه أنت تريد أن تطردني من البيت ، وتقول لي واهجرني ملياً ، حسنا - فأنا بدوري سوف أعتزلكم وأترككم ، ولكن حين أترككم فإنَّ عندي ملجأ آخر ألتجئ إليه وهو الذي يبعد عني الشقاء حينما أدعوه وألتجئ إليه ، بلى إنه الله ربي . الأسرة الفاضلة [ 49 ] فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ لقد أصبح إبراهيم مؤسساً لحضارة ، ولخط فكري ، فوهب له الله من رحمته إسحاق ويعقوب . وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيّاً إن الله وهب لإبراهيم إسحاق وإسماعيل وهما أخوة ، ولكن القرآن يقول وهبنا له إسحاق ويعقوب وهما أب وابن ليبين استمرارية الخط الرسالي . [ 50 ] وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً لقد أصبح هؤلاء مضرب الأمثال في العالم ، فحينما يريد الناس أن يضربوا مثلًا لأسرة فاضلة ، فإنهم يضربون إبراهيم وأبناءه مثلًا لذلك ، ولا يزال هذا الأمر منذ أكثر من خمسة آلاف سنة وإلى هذا اليوم ، فهناك أكثر من ألفي مليون إنسان في العالم يكَّرمون إبراهيم عليه السلام عبر التاريخ ، وهذا بعض معاني لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً أي إن الناس يلهجون بذكرهم ، وصحيحاً ما يلهجون وصادقاً ما يقولون . وهكذا نجد إبراهيم عليه السلام ترك أباه وقومه وهجرهم ولكن بعد أن أتم الحجة عليهم ، وحاول بكل جهده هدايتهم ، وحين تركهم عوضه الله بأفضل منهم ، وجعلهم قدوة صالحة للآخرين .